الشيخ محمد علي طه الدرة
14
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
لأنّ مجموع الآيات بمنزلة أمّ واحدة ، وكلام اللّه كلّه شيء واحد . قال الشّريف الرضي : هذه استعارة ، والمراد بها : أنّ هذه الآيات جماع الكتاب ، وأصله ، فهي بمنزلة الأم له ، وكأنّ سائر القرآن يتبعها ، أو يتعلق بها ، كما يتعلّق الولد بأمّه ، ويفزع إليها في مهمّه . انتهى صفوة التفاسير . وَأُخَرُ : جمع أخرى ، ولم يصرف ( أُخَرُ ) لأنّه معدول به عن الآخر . مُتَشابِهاتٌ : لا يفهم معناها ، كالحروف المقطعة الموجودة في أوائل السّور ، ومنه قوله تعالى في سورة ( الفتح ) : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ، وقوله تعالى في سورة ( طه ) وغيرها : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) ، ومنه وقت قيام السّاعة ، وخروج يأجوج ، ومأجوج ، والدّجال ، ونزول عيسى عليه السّلام وجعله كله محكما بقوله تعالى في أول سورة هود : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي : في النّظم ، والرّصف ، وأنّه حقّ من عند اللّه ، وأنّه ليس فيه عيب قطعا ، وجعله متشابها بقوله تعالى في سورة ( الزّمر ) : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ بمعنى : يشبه بعضه بعضا في الحسن ، والصّدق ، والفصاحة ، والبلاغة ، والتّناسب بدون تعارض ، ولا تناقض ، وفي تركيب النّظم ، وصحة المعنى ، والدّلالة على المنافع العامّة . فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ : ميل عن الحقّ ، ومنه : زاغت الشّمس عن كبد السماء ، وزاغت الأبصار . وهذه الآية تعمّ كلّ طائفة من كافر ، وزنديق ، وجاهل ، وصاحب بدعة ؛ وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران . وقال قتادة - رحمه اللّه تعالى - : إن لم يكونوا الحرورية ، وأنواع الخوارج ؛ فلا أدري من هم ؟ نعم منهم الزّنادقة ، والقرامطة الطاعنون في القرآن ، ومن على شاكلتهم من الباطنيين الذين يقولون : للقرآن ظاهر ، وباطن ، فيقولون : القرآن محرّف ، ومبدّل . وخرّج مسلم - رحمه اللّه تعالى - عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ . . . إلخ ، ثم قال : « إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه ؛ فأولئك الّذين سمّاهم اللّه ؛ فاحذروهم » . وأثبت أبو أمامة - رضي اللّه عنه - : أنّهم الخوارج . ثم قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « تفرّقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة ، واحدة في الجنة ، وسائرهم في النّار ، ولتزيدنّ عليهم هذه الأمّة ، واحدة في الجنّة ، وسائرهم في النّار » . فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ أي : إنما يأخذون بالمتشابه الّذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة ، وينزلوه عليها ؛ لاحتمال لفظه لما يصرفونه ، فأمّا المحكم ؛ فلا نصيب لهم فيه ؛ لأنّه دامغ لهم ، وحجّة عليهم . ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي : طلب الإضلال لأتباعهم إيهاما لهم : أنّهم يحتجّون على بدعتهم بالقرآن ، وهو حجّة عليهم ، لا لهم ، كما لو احتجّ النّصارى بأنّ القرآن نطق بأن عيسى روح اللّه ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى في سورة ( الزخرف ) : إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وبقوله تعالى في هذه السّورة : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ